حشرة صغيرة تغزو فرنسا وتتسبب في حالة من الفزع

 

البق يغزو فرنسا

تعيش فرنسا هذه الأيام حالة غريبة هي انتشار البق، وحسب مسؤولين في قطاع الصحة الفرنسي ففرنسا في حالة حرب حقيقية، بسبب تكاثر هذه الحشرة بشكل سريع جدا، بحيث تضع الواحدة من البق 15 بيضة في اليوم، وتعيش الواحدة سنة كاملة، لأنها من المعمرين! ويقول الخبراء الفرنسيون إن البق غزا فرنسا بحيث يوجد في جميع الأمكنة، في المطارات والفنادق والمحلات والبرلمان والبيوت والمدارس والمؤسسات الحكومية، ونتج عن ذلك حالة من الفزع والاضرابات النفسية وفقدان النوم والعصبية والقلق والاكتئاب بين الفرنسيين، إذ قلبت هذه الحشرة الصغيرة جدا حباة مجتمع بكامله، وصارت حياة الإنسان اليومية عذابا، فقد أظهرت القنوات الفرنسية مواطنين يجمعون أغراضهم داخل البيت في علب بلاستيكية لكي لا يصل إليها البق، وقالت نساء كثيرات إنهن يغسلن الثياب والأفرشة مرة كل 24 ساعة، هذا إلى المشاعر النفسية بالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بالتقزز وعدم الاحتمال والتقيؤ بسبب منظر تلك الحشرات.

عندما كنا صغارا كنا ندخل السينما لنشاهد أفلاما عن انتشار الحشرات أو العناكب، وكنا نرى أصحاب الشاحنات يتركون شاحناتهم في الطرقات ويهربون، وفي تلك الأجواء السينمائية وسط الظلمة وبسبب الانغماس في الفيلم كنا جميعا نبحث في جيوبنا عن العناكب، أو ننزع أحذيتنا لنتأكد من أنها لم تصل إلينا، وكنا بعد ذلك نعتبر الأمر مجرد خيال سينمائي، لكن الخيال صار حقيقة في فرنسا.

ويقول الخبراء إن البق لا علاج له، ولكن يمكن التعامل معه فقط ببعض الاحتياطات، فهو يموت فقط في حالة ارتفاع الحرارة إلى ستين درجة أو انخفاضها إلى عشرين، أما المبيدات فلا تنفع معه، فهو ليس مثل الذباب المسكين الذي يسقط بمجرد رشة. 

لكن فرنسا خائفة من أن تعجر عن مقاومة هذا الوباء خلال عام، فتضيع منها فرصة احتضان الألعاب الأولمبية لعام 2024.

إنه وضع غريب يكشف هشاشة الإنسان وعجزه أمام أصغر المخلوقات، هذا الإنسان الذي صنع التكنولوجيا وطور العلم المادي وحلق في الفضاء قد تغلبه حشرة دقيقة أصغر من ضرس. يستطيع الإنسان أن يروض الأسد والفيل لكنه لا يستطيع ترويض البق، وقد قال الله سبحانه"وخلق الإنسان ضعيفا"،


 أي أن ضعفه رافق خلقه منذ البداية، لذلك لن يستطيع أن يكون قويا أيدا مهما فعل، لأن الأصل الذي خلق منه ضعيف. ولو تأمل الإنسان في حياته بعقله لوجد أنه يتباهى بما لم يصنع، ولوجد أن أدق الأمور في جسمه له حكمة عميقة، فلو أن أظفاره صلبة بحيث لا يستطيع قطعها لو طالت لصارت حياته تعاسة دائمة، ولو أن لسانه لا يتذوق الأطعمة ولا يميز بينها لما كانت هناك حضارة أصلا، لأن اللسان سيكون مجرد خشبة، فاللذة وحدها أحد حوافز بناء الحضارة، إذ ماذا يفيد الإنسان أن يطور ويصنع وهو لا يتذوق شيئا. وكنت قرأت لأبي حامد الغزالي رحمه الله كلاما في الخوف لم تفكر فيه الفلسفة الغربية كلها، التي تركت الأرض وذهبت إلى السماء السابعة تبحث في الميتافيزيقا، فقد قال إن الخوف من المعجزات الربانية العظمى، حتى الخوف معجزة؟ 

أي نعم، بل من المعجزات العظمى. لنتصور أنك جالس في بيتك حتى دخل عليك ثعبان، ورفعت العصا فلم يذهب لأنه لا يعرف الخوف، وتبعه الذئب والثعلب، ولنتصور أنك تخرج إلى الشارع فتجد الوحوش الكاسرة هي أيضا تتجول بكل حرية لأن غريزة الخوف لا وجود لها، فهذا مثال آخر على أن الأشياء الصغيرة التي لا نفكر فيها ساعدت الإنسان على صنع الحضارة، فلولا الخوف لقضى الإنسان حياته كلها منذ القديم في صراع مع الوحوش والحشرات من أجل البقاء فقط، ولن يجد الوقت للتفكير في علم ولا صناعة، بل لن يجد الوقت حتى لخياطة ثيابه الداخلية، لأنه في صراع مستمر. وقرأت للغزالي يتحدث أيضا عن الظفر في كلام يثير الضحك لكنه عميق، فماذا لو أن الإنسان ليست له أظفار يحك بها؟ سوف يضظهر إلى الاقتراب من الحائط كل مرة يريد أن يحك، أو يتمرغ في الأرض مثل الدابة. فسبحان الله الذي خلق كل شيء بحكمة.

وكارثة البق درس فلسفي كبير، مفاده أن على الإنسان أن ينحني لأصغر المخلوقات وأن يدرك بأن حشرة صعيرة قد تسخر منه، وأن يتخلى عن فكرة قهر الطبيعة أو التحكم فيها.

دكتور إدريس الكنبوري

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -